حيثيات وهوامش جريمة بشعة
أقدم البعض من زبانية النظام الديكتاتوري صبيحة 6 ماي الجاري على جريمة فظيعة راح ضحيتها أحد الشبان المطالبين بالخبز والشغل في اعتصام مدني ومتحضّر بعمادة تبديت التابعة لمعتمدية الرديف. ولإنارة الرأي العام الوطني والدولي نقدّم المعطيات التالية حتّى يتمكن الجميع من الإسهام النشيط كل من موقعه وبوسائله في تعرية الوجه الدموي لنظام بن علي ومعاقبة مرتكبي هذه الفعلة الشنيعة.
1- حيثيات الجريمة:
معطيات عن تبديت:
منذ 6 ماي وبمجرّد شيوع خبر استشهاد الشاب هشام بنجدّو بدأ الحديث عن تبديت، ومن المتوقع أن يتعزز حضورها في المشهد الإعلامي والسياسي عامة على الأقل في الأسابيع القادمة، وحتّى يكون ذاك الحضور بمعنى ومدلول يقطع أكثر ما أمكن مع كل لبس وغموض، نورد ما يلي:
تبديت هي قرية ريفية قد يحسبها المرء من زاوية الجغرافيا تابعة لأم العرائس بالنظر إلى قربها منها إلا أنها إداريا تتبع معتمدية الرديف.
يسكنها حوالي 3 آلاف نسمة (قرابة 2850 ساكن) موزعون على مساحات شاسعة، يعيشون من ممارسة بعض الأنشطة الفلاحية وبعض المهن والحرف الأخرى، الفقر والبطالة هما الأكثر انتشارا بين الأهالي بمختلف أعمارهم.
يعتبرها أهلها مزبلة شركة فسفاط قفصة التي لم يصلهم من خيراتها سوى الخراب والأمراض القاتلة، فأغلب المنازل تشققت من جرّاء التفجيرات المتواصلة بمقاطع الجبال التي تحيط بهم، وفلاحتهم توشك على الاندثار نتيجة التلوث المائي المتأتي من مغاسل الفسفاط التي تحاصرهم.
حضور الدولة بين الأهالي يكاد ينحصر في وجود عمدة ورئيس شعبة للحزب الحاكم ومدرسة تثير السخرية والقرف مثلما هو الحال لشبه بناية أخرى فوقها قطعة قماش ضاع لونها الأحمر وغدت خرقة وعلى واجهتها الأمامية لوحة يتطلب الكثير من التركيز لقراءة "مستشفى"، عمدة هذه القرية تسلّم الحكم منذ 1969 ومحدّثنا الشيخ وجد صعوبة في استحضار السنة ولم يسعفه سوى تذكّر المحاولة الانقلابية الأولى في 62، وقال "حكمنا العمدة وقت انقلاب لزهر الشرايطي رحمه الله على بورقيبة" وبمجرد وصول العمدة إلى سنّ التقاعد سلّم الحكم لابنه الذي مازال يواصله حتى أيامنا هذه.
أما رئيس شعبة الحزب الحاكم فهو نفسه منذ 1976 واصل مهامه في "العهدين" غير مكترث لا بذهاب بورقيبة ومجيء بن علي ولا بتغيير اسم الحزب الحاكم...
احتجاج سلمي:
منذ اندلاع الاحتجاجات بالحوض المنجمي عرفت تبديت سلسلة من التحركات دفاعا عن حق الشغل، وقد كانت كل التحركات متّسمة بدرجة كبيرة من الالتزام والانضباط إلا أنّ السلط المحلية قابلتها بالتجاهل أحيانا وترويج الوعود الزائفة أحيانا أخرى. وعلى قاعدة إحساس الأهالي وخصوصا الشباب منهم بمحدودية المسيرات والإعتصامات في لفت الأنظار إليهم اتجهوا منذ أكثر من شهرين إلى أشكال أكثر راديكالية للدفاع عن مصالحهم مثل غلق الطرقات والمسالك الريفية أمام عبور شاحنات نقل الفسفاط أو قطع التيار الكهربائي الذي يشغل سلسلة من الآبار المائية المستعملة في غسل الفسفاط القريبة منهم (3مغاسل)، ومرّة أخرى انتهت كل هذه المحاولات إلى الفشل في تحقيق الحد الأدنى من المطالب المرفوعة. ولعلّ ما فاقم غضب المحتجّين هو تكرّر إخلال السلطة المحلّية بوعودها وتفصيها من اتفاقات سابقة وهو ما دفع العشرات من الشبان إلى الدخول في اعتصام مفتوح منذ يوم السبت 3 ماي داخل المحطّة الكهربائية بقريتهم وواصلوا مكوثهم هناك بعد إيقاف تشغيل المحطّة وحتى قدوم معتمد الرديف أكثر من مرّة بدعوى التفاوض قابله المعتصمون بتصميم كبير على مواصلة احتجاجهم مقدّمين مطالب ملموسة تتعلّق بتشغيل أكثر من 140 عاطلا ضمن الحظائر والمناولات وغيرها، الأمر الذي دفع بالمعتمد المذكور ومنذ يوم الأحد 4 ماي إلى التهديد صراحة باستعمال القوّة ضدّ المحتجين وقال مخاطبا بعض الأهالي المجتمعين حذو أبنائهم "سيخرجون كالفئران وستعرفون من أنا عندما يعفسكم البوب".
جريمة شنيعة:
منذ فجر يوم الثلاثاء تدفقت سيارات عديدة من قوات البوب المدجّجة بالعتاد نحو تبديت وتولّت محاصرة المحطّة الكهربائية كما لم يحدث من قبل، قابله تدفق الأهالي من بيوتهم المتباعدة نحو نفس المكان، ومع الساعة الثامنة والنصف صباحا قدم معتمد الرديف محروسا بمئات سيارات البوليس وطلب من الشبان المعتصمين الخروج من المكان بلغة هابطة وسوقية يبدو أنها أشعلت غضب المعتصمين وأهاليهم، واستمرّ الأمر قرابة 15 دقيقة ختمها المعتمد بالقول "نخدّمو الضوء ونقتلو الكلاب" وبالفعل تقدّم هذا الأخير رفقة مدير إقليم الحرس بالمتلوي وحارس المحطّة ودخلوا إلى غرفة بها معدات التشغيل وقام أحدهم بالضغط على الزرّ غير مكترث بالموت الذي يسحق بعض المعتصمين الذين أصرّ 3 منهم على مسك الخيوط الكهربائية حتى قبل دخول القتلة إلى الغرفة وأعلموه أنهم متمسّكون بحقهم في العمل والخبز وأنهم لا يخافون تهاطل القنابل المسيلة للدموع على مكان اعتصامهم.
ضمن هذه الظروف وهذه الملابسات وأمام أنظار المئات من الأهالي سقط الشبان الثلاثة وسارع المعتمد وكل القوات البوليسية التي رافقته إلى الهروب تحت وابل الحجارة وغضب الأهالي، هربوا وتركوا ورائهم قتيلا ومصابا.
الشهيد هشام بنجدّو:
هو أول شهداء انتفاضة الحوض المنجمي، يبلغ من العمر 23 سنة، الأخ الأكبر لثمانية أطفال، موزعين على مقاعد الدراسة والبطالة، من أسرة شديدة الفقر يكاد يكون العائل الوحيد لأخوته، والده يعاني البطالة منذ سنوات، زاول تعليمه إلى حدود السابعة ثانوي، أجبرته الخصاصة بعد فشله في الحصول على الباكلوريا على الانقطاع الدراسي والتوجه إلى سوق الشغل بساحل البلاد التونسية، عُرف بين أهله وأصدقائه بكفاحه من أجل لقمة العيش، ذهب إلى ليبيا مرّات عديدة، تمكن من الحصول رغم ظروفه الصعبة على كل أنواع رخص السياقة فقد كان دائما يردّد مثلما أعلمنا صديقه لخضر فجراوي قوله "رخص السياقة تسهّل العمل".
2- هوامش الجريمة:
المصدر: http://www.albadil.org
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق